![]() |
|
|||||||
| أشعار وخواطر منقولة يختص بالأشعار المنقولة والتي راقت للإعضاء |
![]() |
| مشاركات | 5 | المشاهدات | 2167 | انشر الموضوع |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||||||
|
||||||||
1- دع عـــنــــك لــــومــــي فــــــــإن الــــلــــومإغــــــــراءُ وداونـــــــــــــي بــــالــــتـــــي كــــــانـــــــتهــــــــــــــي الــــــــــــــداءُ 2- صــــفــــراء لا تــــنــــزل الأحــــــــزانســاحــتــهـــا لـــــــــــــــو مـــــســـــهــــــاحــــــــجــــــــرٌ مـــــســـــتــــــهُ ســــــــــــــــراءُ 3- مــــن كــــف ذات حــــرٍ فــــي زي ذي ذكـــــرٍ لـــــــــــهــــــــــــا مــــــــحــــــــبــــــــانِ لــــــــــــوطــــــــــــيٌّ و زنَّــــــــــــــــــــــــاءُ 4- قــــــامـــــــت بــإبــريـــقـــهـــا والــــلـــــيـــــل مـــعـــتــــكــــرٌ فــــــــــلاح مــــــــــن وجـــهـــهــــا فـــــــــــي الـــبــــيــــت لألاءُ 5- فـأرســلــت مـــــن فـــــم الإبـــريـــق صــافــيــةً كـــــــأنـــــــمـــــــا أخــــــــــذهـــــــــــا بـــــالـــــعـــــيــــــن إغـــــــــــفـــــــــــاءُ 6- رقــــــت عــــــن الـــمـــاء حـــتـــى مــــــا يـلائـمــهــا لـــطــــافــــة ً وجــــــفــــــا عــــــــــــن شـــكـــلـــهـــا الــــــمــــــاءُ 7- فـــــلـــــو مـــــزجــــــت بـــــهــــــا نـــــــــــوراً لــمـــازجـــهـــا حـــــــــــتــــــــــــى تـــــــــــولــــــــــــدَ أنـــــــــــــــــــــــوارٌ وأضـــــــــــــــــــــــواءُ 8- دارت عــــلـــــى فـــتـــيــــة دان الـــــزمـــــان لـــــهـــــم فــــــــــمــــــــــا يــــصــــيــــبــــهــــم إلا بــــــــــمـــــــــــا شـــــــــــــــــــــاؤوا 9- لـــــتـــــلـــــك أبـــــــكــــــــي ولا أبــــــــكــــــــي لــــمــــنــــزلــــةٍ كـــــــانــــــــت تـــــــحــــــــلُّبـــــــهــــــــا هــــــــنــــــــدٌ وأســــــــمــــــــاءُ 10- حـــاشــــا لـــــــدرة أن تــبـــنـــى الــخـــيـــام لــــهــــا وأن تــــــــــــــــروح عــــلــــيــــهــــا الإبـــــــــــــــــل والــــــــشـــــــــاءُ 11- فــقـــلْ لــمـــن يـــدعـــي فــــــي الــعــلــم فـلـســفــةً حــفـــظـــت شـــيـــئـــاً وغــــابـــــت عــــنـــــك أشــــيـــــاءُ 12- لا تحظر العفوَ إن كنت امرأ ً حرجاً فـــــــــــــــــــإن حــــــظــــــركـــــــه فـــــــــــــــــــي الـــــــــديــــــــــن إزراءُ
![]() |
|
|
#2 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
تحليلُ النــَّصِّ: يفتتح الشاعر قصيدته بفعلالأمر(دَعْ) مصوراً لنا حالته النفسية المنفجرة الضائقة باللوم والمتمردةالتائقة إلى إصدار الأوامر، إضافة ًإلى ما يحدثه صوت الدال الانفجاري ثمالعين الساكنة من وقع يثير انتباه المتلقي: 1- دع عنك لومي فإن اللوم إغراء وداوني بالتي كانت هي الداءُ فالفعل(دع) يصور لنا الصراعبين الشاعر ولائميه، ويوحي بقناعته التامة بممارسة ما يلام عليه ويؤسسذهنية المتلقي للنتيجة التي ستأتي، واستمراراً منه في توتير المشهد يستخدمالفاء التعليلية وإنّ المؤكدة في عبارة مكثفة تختزل فلسفة شاعرٍ وتجربةًنفسية تتصل بجوهر النفس الإنسانية، وتعبر بشكل صادق عن تجربة الإنسانالمدمن حين يصبح اللوم لذيذاً ومغرياً بالتمسك بالأشياء حتى التطرف، وذلكفي قوله: (فإن اللوم إغراء)؛ فبعد تلك التهيئة للمتلقي عن طريق ذلك الفعلالمنفجر الصاخب جاءت هذه الصورة المكثفة ذات الرؤية العميقة للذاتالإنسانية لتلامس شغاف المتلقي، وتنقل له بصدق تجربة الشاعر، حيث صوربالكلمات ذلك التوتر والتمرد في أثناء اللحظة الشعرية دون أن ينجر وراءالمنطق وشرح عملية اللوم وما تحدثه في النفس، وغير ذلك مما يمليه العقلالمحض، وإنما استجاب لشعوره ووجدانه فتوهجت بهما ذاته وعبر بذلك اللمحوالتكثيف . وفي ظل دهشة المتلقي بالشطرالأول وصورته تأتي المفارقة في الشطر الثاني فتكاد دهشتها تنسيه دهشةالشطر الأول، فبنية التضاد هنا هي محور الشاعرية في البيت، وهو لم يأتِتقليداً تقصده أبو نواس، ولم يكن مفتعلاً كما كان يتقصده أبو تمام والبحتريوغيرهم من شعراء تلك الحقبة، إنما جاء التضاد هنا في صميم الصورة بحيث لايلاحظ المتلقي أن في البيت تضاداً، وما ذاك إلا بفعل الفن الذي مزج الصورةباللفظ والشكل بالمضمون فصارا كلاً واحداً يصعب الفصل بينهما . لقد وفق الشاعر أيما توفيق في استهلال قصيدته بهذا البيت ذي الرؤية المكثفة التي يتناص فيها مع ابن زريق البغدادي حين يقول: لا تعـــذليـه فإن العــذل يولعُــهُ قـد قلت حقاً ولكن ليس يسمعُهُ جاوزت في لومه حداً أضرّ به من حيث قدرت أن اللوم ينفعُهُ غير أن أبا نواس أوجز فيالشطر الأول ما بسطه ابن زريق في بيتين، وأضاف معنى جديداً في الشطر الثانيجاوز ذلك التردد عند ابن زريق فكان رائداً في رؤيته؛ فبينما نرى ابن زريقيعترف بأن قول اللائم حقّ ثم ينجر للتبرير كفعل من ليس واثقاً بما يقول نجدأبا نواس يتكلم بلهجة الواثق بما يقول فلا يسعى للتعليل، إنما يبلغ غايةفي التمرد والضيق باللوم فيأمر اللائم بأن يداويه بذلك الداء الذي نهاهعنه، معبراً عن شعور المدمن والمحب من خلال تصرفه وأفعاله هو، ومن خلالمفردات القصيدة دون اللجوء إلى الوصف والتقرير كما فعل ابن زريق. وفي هذا المطلع نجد نفساًصوفياً يوحي به ذلك التلذذ من العاشق باللوم وتعذيب الذات بالحب، والوجدالذي يستحيل معه الداء دواءً, ثم ذلك التعامل المقدس مع الخمرة من قبلالشاعر؛ فهو يتحاشى التصريح باسمها كحال من يغار على ذكر اسم حبيبته فنراهيقول: (وداوني بالتي) دون أن يذكر اسمها، وذلك على غير عادة أبي نواس فيالتعامل مع الخمرة والتصريح باسمها في بقية خمرياته من مثل قوله: ألا فاسقني خمراً وقل لي هي الخمرُ ولا تسقني سراً إذا أمكن الجهرُ مما يدل على أن هذه القصيدةلها تجربتها الخاصة مع الخمرة . وسنجد أن الشاعر لن يذكر اسمها طوالالقصيدة، وسيستمر في ذلك التعامل الصوفي معها، مانحاً إياها صفات الضوءوالصفاء والطهر والرقة، خالعاً صفاتها على كل الموجودات من حوله، فلا يرىشيئاً إلا من خلالها، ولا يخلق صوره إلا من وحيها . فبعد هذا المطلع يسترسلالشاعر عن طريق التداعي وتراسل الحواس كما يفعل المدمن عندما يذكر له ماأدمنه، متدرجاً في هذا التراسل الحسي؛ فنراه يبدأ بالصورة البصرية(صفراء) لأن أول التعاطي للمحبوب يكون بالنظر . والصورة البصرية تحرك الخيال إلىصورة وجدانية؛ هي أثر الخمرة على النفس بعد شربها، فنراه يقول: 2- صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها لــو مســـها حجــرٌ مستهُ ســراءُ وكأنه يكتب تحت تأثيرها،وكأنه يتذوقها في أثناء كتابة القصيدة، فخلع ذاته وسروره ونشوته على الحجروالجمادات فرآها مسرورة مثله . وهو هنا مازال يكني عن هذه المحبوبةالمقدسة؛ فيقول: (صفراء) دون ذكر اسمها، ثم يتخيلها ساحة لا حزن فيها يهربإليها من ضيق هذه الحياة ولوم اللائمين، فهي لو مسها حجر مسته سراءٌ، فكيفبه هو إذا انغمس فيها ؟ إن صورة المماسة بين الحجروالخمرة تنقل لنا رغبة الشاعر في الالتصاق بهذه الخمرة وإيمانه بأنها تعطيهبقدر ما يعطي لها من روحه، وبقدر اقترابه منها ومعصية اللوام فيها. كما أنتلك المماسة ترسم لنا بالكلمات إحساس الشاعر بسرعة انتشارها في جسمه، وكذايوحي الفعل(مسَّ) برقتها وكأنها كائنٌ ضوئي لطيف ، ولا أدلَّ على ذلك منتكرار حروف السين المهموسة والهمز والحاء والهاء، إضافة إلى ما تؤديه هذهالأصوات من تناغم واتساق موسيقي داخل البيت تهش له أسماع المتلقي ويسلس بهلسان القارئ . ولأن الشاعر لم يقع تحتسطوة العقل المحض – كما قلنا سابقا – وإنما استجاب لشعوره وإحساسه الفنيوخياله الشعري، نجد أن البيت تضمن تضاداً بين(الأحزان والسراء) لا نكادنحسه في اللفظ؛ لأنه جاء متواشجاً مع الصورة في تركيب فنيِّ لا أثر للصنعةفيه، ولا حضور فيه للتأمل والبحث العقلي الصرف . ونرى الشاعر، بعد ذلكالتوهج الفني في البيتين السابقين الذي جاء نتيجة التوهج المتخيل والمتداعيللخمرة في أحشائه، يخرج عن عملية خلقه الفنية والروحية إلى ما تمليه عليهحواسه المجردة وغرائزه الجسدية، فأعمته خياله وأدواته الفنية، وظل يعمل تحتتأثير العقل الذي يحركه الجسد لا الخيال الفني، فنراه يتحلل فنياًودلالياً في هذا البيت: 3- من كف ذات حرٍ في زي ذي ذكرٍ لهـــا مــحـــبانِ لـــــوطيٌّ وزنـَّـــــاءُ فأيُّة ُوظيفةٍ فنيةٍ تؤديها عبارة (ذات حرٍ) سوى التلذذ الغرائزي بذكر ذلك ؟ وأي جمال يقدمه التضاد بين (ذات حر) و(ذي ذكر) ؟ فمنذ الوهلة الأولى يشعرالمتلقي بالتصنع في هذا التضاد، بل الخروج بهذا البيت عن إطار تجربةالقصيدة؛ فالشاعر يعيش تجربة روحية مع الخمرة، ويعتمد في ذلك على المثيراتالبصرية ذات العلاقة بالتجلي والوجد الصوفيين، فيلح – كما سنرى-على ذكراللون والضوء والماء، وكلها رموز تعبر عن الطهر والنقاء، لكنه في هذا البيتاستجاب إلى غرائزه وخرج عن اللحظة الفنية التي خلق فيها البيتين الأولين،فكأنه استجاب إلى تداعي حواسه مع الخمر حتى أفرط ووصل إلى التحلل، وأصبحيكتب بجسده لا بخياله الفني، وراح ينقل التجربة كما عاشها أو كما اشتهتهاغرائزه، لا كما رأتها ذاته الشاعرة الخالقة . أو كأنه تدخل هنا عمداً فحرفالتجربة متبعاً تقليداً انتهجه في قصائده، فوقع تحت سطوة المنهجية وإخضاعالفن للمشاريع المحددة سلفاً . فأبو نواس قاد تيار التمردعلى القصيدة القديمة، وكان صادقاً في ذلك التمرد، ولكن مع الأيام أصبح يرىنفسه منظراً لهذا التيار، وأنه ملزم بالتعبير عن آرائه في ذلك، فأخذ يضمنقصائده ما عرف عنه من تحلل وحبٍّ للخمرة، سواء اقتضتها التجربة أو لمتقتضها . ومن هنا كانت تأتي معظم مظاهر تحلله متكلفة؛ لأنه كان يكتبهابعقله ووعيه التنظيري لا بشعوره الذاتي ورؤيته الفنية الصادقة . ولكن أبا نواس سرعان ما يعود إلى توهجه الفني في البيتين الآتيين حيث الضوء والصفاء والطهر: 4- قامت بإبــريقها والليل معتكـــرٌ فلاح من وجهها في البيت لألاءُ 5- فأرسلت من فم الإبريق صافية ً كأنما أخــــذها بالعــــين إغفـــاءُ فالمرأة هنا غير المرأةالتي رأيناها في البيت الثالث . المرأة هنا هي من خلق الذات الشاعرةالخالقة التي مزجتها بالخمرة وشعاعها في الروح، وولدت منها هذه الصورةالضوئية، أما المرأة في البيت الثالث فهي نشاز من خلق الجسد والغريزة؛ إذلا يمكن أن تخلق الذات الشاعرة امرأة متحللة عاهرة ثم تمنحها هذا الضوءوالبهاء والطهر والصفاء . والملاحظ هنا أن المرأة لمتكن هي شغل الشاعر، إنما شغله الأول هو الإبريق وما يحمله من خمرة صافية،فنجد المرأة تتحول عند الشاعر من ذلك العهر والتحلل إلى هذا الضوء الذييحيل الليل صبحاً، وما كان ينبغي للمرأة أن تكون كذلك إلا لمجاورتها لإبريقالخمرة التي كان الشاعر مسكوناً بها، وجعل يضفي صفاتها على ما حوله، ويرىالأشياء من خلالها ويخلقها من وحيها؛ فالمرأة تتماهى مع الخمرة في البيتالخامس، ويعود الإبريق بشكل أوضح وله فم كفم امرأة، ويتحول الـ(لألاء) فيالبيت الذي قبله إلى(صافية) في هذا البيت، وتتـّحد المرأة بهذهالصافية(الخمرة) في عجز البيت: كأنما أخــــذها بالعــــين إغفـــاءُ فلا ندري أهي المرأة حينترد طرفها(كناية عن دلالها وفتور طرفها) ؟ أم هي الخمرة عندما تراها الأعينتأخذها سنة من نعاس؛ لشدة سحرها ؟ إذن حضور المرأة في البيتالثالث وفي هذين البيتين كان حضوراً عرضياً، مع فارق الوظيفة الفنية؛ إذ فيالبداية حضرت بفعل تداعي الحواس العادية، أما هنا فقد حضرت بتأثير منالبيت السابق، ولكن بعد عودة الشاعر إلى حواسه الفنية التي أعادته إلىتجربة القصيدة الحقيقية(الخمرة) فظل يخلق المرأة من خلالها . ثم نراه ينطلق من ذلكالمنزلق الذي وقع فيه إلى فضاء الوصف لمحبوبته الخمرة، ويترك للذات حريتهافي التعبير عن رؤيتها لها، فيصل قمة التحليق الفني في هذين البيتين: 6- رقت عن الماء حتى ما يلائمها لطافة ً وجفا عن شكلها الماءُ 7- فلو مزجت بها نوراً لمازجـــها حتى تولـد أنــوارٌ وأضـــــواءُ فأبو نواس يمتلك حساًمرهفاً في التقاط الصور البصرية، كيف لا وهو ابن بيئة حضرية وحقبة زمنيةعرفت من ألوان النعيم ما لم تعرفه غيرها ؟ إضافة إلى الإرتقاء المعرفيوالحضاري والوعي الذاتي الذي عرفه شعراء تلك الحقبة، ذلك الوعي الذي يلهبالمشاعر ويرقى بالخيال، ويمنح الإنسان حساسية مفرطة بالأشياء من حوله . ويتجلى ذلك عند أبي نواس في هذه القصيدة من خلال تلك الرقة واللطافة التيتنضح بها مفردات النص ، وكذا المهارة العالية في توليد الصور من بعضها؛فقوله: (رقت عن الماء) صورة خلقتها اللحظة التي صارت فيها الحواس كلاًواحداً؛ فهي صورة ليست من صنع العين العادية، ولا من صنع الأصابع، ولا منصنع العقل، إنما هي من صنع الذات الشاعرة التي امتزجت فيها الحواس واتحدتبالخمرة وتوهج فيها الخيال والعقل فتولدت هذه الصورة . غير أن ذلك التوهج يخفت حينيجنح الشاعر للمنطق، مفسراً صورته بقوله : (حتى ما يلائمها لطافة)؛ فالفنلا يقبل التفسير . الفن يلمح ويكثف، ويجعل مخيلة المتلقي حرة تكمل ما أرادتأن تكمل . ويستعيد الفن جناحيه في آخرالبيت حين يقول: (وجفا عن شكلها الماءُ) عائداً إلى تجربة(رقت عن الماء)؛فالفعل (جفا) ينقل لنا بحرارة المفارقة الرهيبة بين هذه الخمرة والماء،ويصور لنا دهشة الشاعر أمامها ومحاولة استيعابه لها، ثم إن تكرار لفظة(الماء)، إضافة إلى ما تحققه من إيقاع أشبه بالخرير، نجدها توحي لنا بحاجةالشاعر إلى الارتواء، وتلهفه إلى خمرته التي تفوق الماء رقة وشكلاً إلىدرجة تربكه عن الاستيعاب . وقد حاول استيعابها واحتواءها بكل حواسه، إلا أنضوءها ورقتها حيراه وأدهشاه، فظل يلحُّ في تقصي الصورة لعله يحظى بسرهاولعل اللغة تسعفه بالإحاطة بشعوره تجاهها، فنجده يحاول منذ قوله: (صفراء) الصورة البصرية، و(لو مسها حجر) الصورة الحسية، وذلك في البيت الثاني، ثمتقابلنا محاولة أخرى في البيت الرابع، متخذاً من المرأة معادلاً لها؛ أيالخمرة، حين قال: 4- قامت بإبــريقها والليل معتكـــرٌ فلاح من وجهها في البيت لألاءُ وفي البيت الخامس نجد كلمة(صافية)، ثم يلملم الشاعر خيوط لوحته ويسلمها لخياله الفني، فيشكل صورته الخالدة في هذا البيت: 7- فلو مزجت بها نوراً لمازجـــها حتى تولـد أنــوارٌ وأضـــــواءُ فمن أي مشكاة أشعل أبو نواس هذا الشعر ؟ وما حجم التجلي الذي كتب به هذه المعادلة الضوئية ؟ لا شك أنه من مشكاة الذاتالشاعرة العاشقة القادرة على الخلق والابتكار، تلك التي ترى الأشياء كماتريد وكما يمليه عليها دفق مشاعرها لا كما تعكسه الأحداث الخارجية العادية،تلك الذات التي رأت في الخمرة رقة فوق الماء .. فوق قدرة اللغة علىالوصف.. وأنواراً فوق النور.. فوق قدرة الأعين على التمييز، فامتزجت بهاورأت الكون من خلالها، وتاقت إلى أن تطور النور عن طريق هذه الخمرة إلىأنوار لا حدَّ لها؛ كما خلقت السراء في الحجر من خلالها، والإغراء فياللوم، والضوء في تلك المرأة، والتلألؤ في الليل، وهنا تخلق في النورأنواراً منها أيضاً، جاعلة البيت معادلاً موضوعياً لطريقة رؤيتها الفنيةللخمرة وللأشياء من حولها؛ فهذه الصورة (حتى تولـد أنــوارٌ وأضـــــواءُ)،بقدر ما تضفيه على البيت من جمال وأثر فني ودلالي، وبقدر ما تفجره منطاقات الخيال والدهشة لدى المتلقي، توحي – أيضاً – بالأثر النفسي الذيتلقيه الخمرة في نفس الشاعر جراء تعاطيها؛ حيث تضيء له الأماكن المظلمة فيأعماق الذات، وتجعله يرى في الليل ما لا يراه الآخرون في وضح النهار، وماحضور (الليل) معها في البيت الرابع إلا دليل على ذلك: 4- قامت بإبــريقها والليل معتكـــرٌ فلاح من وجهها في البيت لألاءُ 5- فأرسلت من فم الإبريق صافية ً كأنما أخــــذها بالعــــين إغفـــاءُ فالخمرة هي مصدر الضوء للشاعر، وعبرها يتجلى له الوجود، وفكرة الزمان، والمكان، وعلاقته بالآخر، وعلاقته بالمكان والحبيبة، فيقول: 8- دارت على فتية دان الزمان لهم فما يصيبـــهم إلا بما شــاؤوا 9- لتلك أبكي ولا أبكــي لمنــــزلةٍ كانت تحلُّ بها هنـــدٌ وأسماءُ 10- حاشا لدرة أن تبنــى الخيام لها وأن تروح عليها الإبل والشاءُ ففي البيت الثامن يواصل سردالموقف بطريقة تقريرية لا تنم عن أي جمال، فكأن التجربة الحقيقية انتهت فيالبيت السابع ذلك الذي حلق فيه أيما تحليق، وبعد أن فرغت الذات من عمليةخلقها بدأ في البيت الثامن والتاسع والعاشر يسترجع من الذاكرة الجمعية،معتمداً على الوعي العام والأيدلوجية الخاصة؛ فقوله: (دارت على فتية دانالزمان لهم) قولٌ تقريري طالما كررته ألسنة الشعراء، ولم يكن لتجربتهالذاتية فضل في ذلك، غير أن الذات الخالقة ظل لها طيف لدى الشاعر نفخ روحاًفنية في عجز البيت : فما يصيبـــهم إلا بما شــاؤوا فالشاعر في هذه الصورةيستحضر لحظة الانتشاء بالخمرة، ويخلع على أصدقائه قبساً من ذاته ورؤيته،فيرى الأقدار - من خلال الخمرة – تسير بمشيئته، وأنه قادر على التغلب علىفكرة الزمان والمكان وأهواله ولو في الحلم . وهذا هو الوجود الذي يحلم بهالشاعر حين يكون قطب الأشياء ومحورها والقادر على خلقها وتحريكها، وكل ذلكيتم من خلال الخمرة، إذن هي الوجود الحقيقي بالنسبة له . ثم يعود في البيت التاسعإلى أيدلوجيته، مبتعداً كثيراً عن فنيته، خاضعاً لسلطة العقل أو الفكرالتنظيري الذي مرّ معنا في البيت الثالث . فنراه يقيم مقارنة واعية أشبهبالجدل المذهبي بين الخمرة والبكاء على الأطلال، وبالرغم من الدلالاتالنفسية والاجتماعية لهذه المقارنة تظل القيمة الفنية غائبة؛ إذ لا نجداللمسات الفنية المتشكلة عن رؤية الذات الصادقة الخاصة بتجربة هذه القصيدة،فهو في هذين البيتين يكرر آراءه حول الطلل والخمرة المبثوثة في قصائدهبحرفيتها دون أي خلق جديد . ويسيطر عليه المنطق والأسلوب الوعظي في نهاية القصيدة بسبب التفكير الواعي، فيختتم القصيدة ببيتين هما أقرب إلى الحكمة: 11- فقلْ لمن يــدعي في العلم فلسفـــة ً حفظت شيئاً وغابت عنك أشياءُ 12- لا تحظر العفوَ إن كنت امرأ ً حرجاً فإن حظـــركه في الــدين إزراءُ والبيتان – ربما – يمثلانتدويراً للقصيدة؛ إذ المقصود بـ (من يــدعي في العلم فلسفـــــــة ً) ومنيحظر العفو هو اللائم في مطلع القصيدة, ولكن شتان بين المطلع والمختم؛فالأول من صنع الذات الشاعرة حين كان العقل والخيال والشعور كلاً واحداً،أما الختام فكان من صنع العقل المحض والوعي الجمعي، الذي يشترك فيه الناسجميعاً، ويتميز الشاعر في التعبير عنه بالموسيقى فقط، ويبدو أن الشاعر مشتتبين نوعين من اللائمين؛ الأول لائم ديني أو ذاتي، والثاني لائم فني يتعلقلومه بشكل القصيدة، واستبدال المطلع الخمري بالمطلع الطللي، ويعبر عن هذااللائم ضمنياً في قوله: 9- لتلك أبكــي ولا أبكــي لمنــــزلةٍ كانت تحلُّ بها هنـــدٌ وأسماءُ أما اللائم الأول فهو واضح من مطلع القصيدة وختامها: 1- دع عنك لومي فإن اللوم إغراءُ وداوني بالتي كانت هي الداءُ ......... 12- لا تحظر العفوَ إن كنت امرأً حرجاً فإن حظـــركه في الــدين إزراءُ فالشاعر يبدو في الأبيات الأخيرةمتناقضاً متشتتاً بين ما يشعر به وما يعتقده؛أي بين نشوة الخمرة وشعوره الصادق نحوها من جهة، وآرائه النظرية المجردةوموقفه من الطلل من جهة أخرى؛ فبينما نراه في البيت الثامن يصنع قدَرَه،وقادراً على قهر الزمن ومصائبه والتغلب على فكرة الجبرية بما يملك من شعورتجاه الخمرة، نراه في البيت الذي يليه يجنح للبكاء بسبب ما تمليه عليهالذاكرة العامة، وبتأثير من موقفه الفكري الذي أملى عليه المقارنة بينالبكاء على الخمرة والبكاء على الأطلال، في حين كانت تفرض عليه حالة الوجدوالشعور الصادق، الذي عبر عنه بقوله: (فما يصيبـــهم إلا بما شــاؤوا)،ألاّ يبكي وألاّ يستحضر البكاء هنا؛ لأنه سعيد بما يملك من شعور بالخلودوالتغلب على المصائب . وإذا وقفنا قليلاً عند هذه المقارنة سنجد أنالشاعر كان يعيش في أول قصيدته تجربة ذاتية وشعوراً وجدانياً خاصاً، ورؤية وجودية للخمرة، لا علاقة لها بالآخر؛وحدهاالذات في علاقتها بالخمرة يؤلفان النص دون حضور للقيم أو المجتمع أوالنظام الفكري أو المتلقي، وإن حضر اللائم في مطلع النص؛ فهو كان قناعاًللذات للتعبير عن ثورتها وشعورها الجامح المتمرد . وحضور المرأة في بدايةالقصيدة كان حضوراً عرضياً - كما أسلفنا – أملته عليه الغريزة الجسدية،والعقل المنهجي والبحث عن الأسلوب والنمطية؛ بمعنى أنه نقل لنا فيالأبيات الأولى تجربته الذاتية كإنسان مع هذا الشراب الروحي، وتوق هذا الإنسان إلى التحرر من أحزانه،والتحليق في فضاءات من الضوء، بعيداً عن ليل الحياة المليء بالهموم والمنغصات، وبعيداً عن قيود العقل ومنطق الزمان وفكرة الفناء . أما في الأبيات الأخيرة فإننا نجده يعود إلى تجربة الجماعة؛فيتذكرهم من خلال الخمرة، ويقحمهم معه لا لشيء سوى أنه يريد أن يعقدمقابلة بين بكائه على الخمرة وبكاء الشاعر العربي القديم على الأطلال؛فالخمرة تذكر شاعرنا بالفتية(الجماعة)، والأطلال تذكر الشاعر الجاهلي بـ(هند وأسماء )،رغم الفارق الكبير بين الحالتين،ورغم التناقض الواضح بين ما يشعر به وما قاله. فهند وأسماء عند الشاعر القديم لا تعادل الفتية عند أبي نواس، والخمرةعند أبي نواس لا تعادل الطلل عند الشاعر الجاهلي؛ فالأخير تجربته الحقيقيةلم تكن مع الطلل، وإنما كانت مع ساكن الطلل(هند وأسماء)، وأبو نواس تجربتهالحقيقية كانت مع الخمرة، وليست مع الآخر (الفتية) . ومن هنا كان يفترض أنتكون الخمرة عند أب نواس معادلة لهند وأسماء عند الشاعر الجاهلي، والطللعند هذا الأخير معادلاً للجماعة عند أبي نواس؛ إذ كلاهما(المنزلة والفتية) دالٌّ يوحي بمدلول هو جوهر التجربة، وهذا الدال ليس مقصوداً في ذاته . ولم يكن هذا الاضطراب لدىالشاعر في هذه المقابلة إلا لأنه انتقل من التعبير عما يشعر به كإنسان تجاهالخمرة في أول القصيدة إلى التعبير عن الموقف الفكري ومنطق الجماعةالأدبية في آخر القصيدة، وأنه حاول إقحام ما يعتقده من قضايا عصره النقديةوالاجتماعية والثقافية في ما يشعر به ويلتهب به وجدانه الذاتي . فاللائم فيمطلع القصيدة لم يكن لائماً فنياً أو ناقداً أدبياً أو فقيهاً، إنما كانلائماً من نوع خاص، لائماً هو أقرب إلى اللوم الذاتي والصراع النفسي؛ إذ لميكن لذلك اللائم حضور خارجي أيدلوجي يتطلب من الشاعر الإتيان بالحججوالبراهين العقلية التي قد تؤثر على طريقة تعبيره، إنما كان ذلك اللائم منصنع الذات لتعبر عن شعورها الجامح تجاه الخمرة، فجاء تعبيرها نابعاً منالوجدان، متمثلاً بصدق لذلك الشعور، خالقاً صوراً تعادل جموحه بلغة رقراقةعذبة تعادل مذاق تلك الخمرة، وتدفقٍ يضاهي اندياح ضوئها وانتشارها في أعماقالشاعر، فخلق بذلك دواءً لذاته المتصارعة المتمردة، وأشبع إغراءهافأغرانا، وأقنع لائمه فأقنعنا بفنه . ولكن هذا اللائم يتحول فيآخر القصيدة إلى لائم نقدي خارجي يمارس سلطته على الشاعر، فأصبح يكتبللناقد والفقيه، مستخدماً المنطق والحجج العقلية، مستجيباً لذاكرتهوللآخرين، ناسياً شعوره الذاتي العميق، فأرضى الناقد الفقيه، والأناوقضيتها، والجماعة التي ينتمي إليها، والمتلقي التابع، ولم يرضٍ الفن . منقول |
|
التعديل الأخير تم بواسطة علي ابو نهرين ; 04-22-2011 الساعة 04:33 AM
|
|
|
#3 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته الاخ الشاعر علي : لا أعلم تاريخياً عن الشاعر أبو النواس الكثير لكني من وجهة نظري أعتقد أنه ظلم كثيرا بالنسبة الى لقبه شاعر الخمرة و ربما تناقل الينا الكثير من الانباء عنه بشكل مغاير لما رأينا من شعره . و هذه القصائد هي احدى القصائد العربية الراقية . جزيل الشكر لما قدمتم لنا من شرح عذب لهذه القصيدة الراقية و لا اعتبره نقدا فنيا و انما شرحاً رائعا لابيات أروع . |
|
|
|
#4 | |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
اقتباس:
بيني و بين مسمى "شاعر" شوط طويل قد لا ابلغه شاكر تواجدك الكريم دمت بكل خير حياك الله |
|
|
|
|
#5 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 7 ( الأعضاء 1 والزوار 6) +
|
اللهم صلّ على سيدنا محمّد ![]() حمزة
|
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الكلمات الدلالية (Tags) |
| لأبي, مولد, دراسة, نواس, نقدية, قصيدة |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|